الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

72

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فإن قلت : فعلام جنحت إليه واستدللت عليه من اختيارك أن يكون لابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق ، فكيف تتأول ما وقع في « سفر التكوين » ؟ قلت : أرى أن ما في « سفر التكوين » نقل مشتّتا غير مرتبة فيه أزمان الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم ، فلما نقل النقلة التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر ، سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم عليه السلام وأدمج فيها ما اعتقده بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق . ويدل لذلك قول الإصحاح الثاني والعشرين « وحدث بعد هذه الأمور أن اللّه امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك وحيدك » إلخ ؛ فهل المراد من قولها : بعد هذه الأمور ، بعد جميع الأمور المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم . [ 108 - 111 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 108 إلى 111 ] وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 108 ) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 ) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 ) القول في وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ نظير الكلام المتقدم في ذكر نوح عليه السلام في هذه السورة وإعادته هنا تأكيد لما سبق لزيادة التنويه بإبراهيم عليه السلام . ويرد أن يقال : لما ذا لم تؤكد جملة كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ب ( إنّ ) هنا وأكدت مع ذكر نوح وفيما تقدم من ذكر إبراهيم . وأشار في « الكشاف » أنه لما تقدم في هذه القصة قوله : إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [ الصافات : 80 ] وكان إبراهيم هو المجزيّ اكتفي بتأكيد نظيره عن تأكيده ، أي لأنه بالتأكيد الأول حصل الاهتمام فلم يبق داع لإعادته . واقتصر على تأكيد معنى الجملة تأكيدا لفظيا لأنه تقرير للعناية بجزائه على إحسانه . ولم يذكر هنا فِي الْعالَمِينَ [ الصافات : 79 ] لأن إبراهيم لا يعرفه جميع الأمم من البشر بخلاف نوح عليه السلام كما تقدم في قصته . [ 112 - 113 ] [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 112 إلى 113 ] وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ( 113 ) هذه بشارة أخرى لإبراهيم ومكرمة له ، وهي غير البشارة بالغلام الحليم ، فإسحاق غير الغلام الحليم . وهذه البشارة هي التي ذكرت في القرآن في قوله تعالى : فَبَشَّرْناها